الغرف التجارية و النقابات: وجهان لعملة واحدة– ما لهم و ما عليهم

Written by Islam Hussein. Posted in + اقتصاد, ليبرالية +


كتابة اسلام ابراهيم حسين

استخدم كلمة “نقابة” هنا كلفظ عام يشمل النقابات المهنية و الحرفية، الخاص منها و العام، والذي يشمل كذلك الاتحادات العمالية الحرفية (و هو التعريف الموجود على ويكيبيديا مثلاً). في هذه المقالة سأوضح ان النقابات و الغرف التجارية هما وجهان لعملة واحدة، لهما فوائد و دور مهم يؤديانه في المجتمع، و كذلك لهما توابع تضر ببعض فئات المجتمع. سأوضح كيف ان هذه العوامل السلبية لا يمكن تفاديها كلياً و لكن من الممكن تقليصها عن طريق الوعي العام و وضع سياسات تقلل من آثارها.

الليبرالية تنبع من مبدئ ان اي شخصان بالغان لهما مطلق الحرية في التعامل طالما ان التعامل ليس به اي غصب من قبل اي من الطرفين علي الاخر، او من قبل طرف ثالث لفرض التعامل على الطرفين.

20111112-142711.jpg
الحركة العمالية في مصر في السنوات الاخيرة مبشرة، لكن يتوجب وعي عواقب بعض السياسات اللتي ينادي بها البعض.

تطبيق هذا المبدأ علي اسوق العمل معناه ان صاحب العمل لا يمكنه إكراه طالب العمل (مهني كان او حرفي) علي العمل ان لم يكن راض عن الأجر او أجواء العمل او اي تفاصيل اخرى متعلقة بالوظيفة. فيطرح صاحب العمل الوظيفة الخالية و معها يحدد الأجر و كل الامور المتعلقة بالوظيفة. فإن رضي طالب العمل عن الوظيفة بكل تفاصيلها، فيتم التعامل بينه و بين صاحب العمل، فيستبدل الموظف مهنيته او عمالته مقابل اجر و حوافز اخرى يقدمها صاحب العمل.

ان لم يرضي طالب الوظيفة على ما يعرض عليه، فلا يمكن لصاحب العمل إرغامه على العمل. السبيل الوحيد لإرغام اي انسان على العمل دون إرادته هو ان يستغل صاحب العمل سلطان الدولة، متمثلة في ملك او ديكتاتور او حتى برلمان مرشح بصورة ديموقراطية، في فرض العمالة الغير مقبولة من قبل العامل عليه. في هذه الحالة، يعتبر هذا استرقاق و هو ما ترفضه الليبرالية. فقد استخدم احد الطرفين طرف ثالث لإرغام الطرف الثاني على التعامل.

و كذلك لا يمكن للعامل، او مجموعة منهم، على استخدام الدولة لفرض شروط ضد رغبة صاحب العمل. فما ينطبق على العامل ينطبق على صاحب العمل و العكس صحيح. فأي تعامل بين العامل و صاحب العمل يجب ان يكون طوعية و عن تراض.

من الطبيعي انه حين يلتقيان لأول مرة من الممكن أن لا يكون هناك قبول لعرض الاخر، و لهذا يكون هناك عملية تفاوض على تفاصيل عقد العمل.

الغرف التجارية و النقابات: ما لهم

بما ان الليبرالية مع اي تعامل على ان يكون طوعي، فهذا معناه انه ان اختار مجموعة من العمال او المهنيين تكوين اتحاد للتنسيق بينهم على شروط و ظروف العمل، فهذا حق مكفول لهم في الفلسفة الليبرالية.

و كذلك، يحق لأصحاب الاعمال على تكوين اتحادات للتنسيق بينهم كذلك، هذه الاتحادات معروفة بالغرف التجارية.

للاتحادات العمالية و الغرف التجارية دور مهم لتحسين حال العمال و المهنيين (في حالة الاتحادات و النقابات) و الأجواء السياسية لإزدهار الاقتصاد (في حالة الغرف التجارية) الذي يعود بالنفع على كل من اصحاب المشاريع و هو ما يؤدي الى زيادة فرص العمل و الحد من ظاهرة البطالة.

فمثلا، قد يفاوض اتحاد عمالي مستقل صاحب العمل على وضع حد ادنى للاجر او على تأمين صحي او اي ضمانات أخرى متعلقة بسلامة العامل اثناء اداء عمله.

و كذلك، قد تفاوض الغرفة التجارية الاتحادات العمالية كي يخفضوا من سعر العمالة لمستوى يمنح صاحب العمل لخلق الحجم الاكبر من الوظائف لأكبر عدد ممكن من الافراد الساعين وراء العمل و إقتناء قوتهم بدلاً من ان يكونوا دون اي عمل. و هذا بالطبع يعود بالنفع المادي على صاحب العمل كما هو يفيد طالبي العمل.

هناك المزيد من الأمثلة اللتي بها تساهم الاتحادات العمالية و الغرف التجارية على إنعاش الاقتصاد و اللذي يعود على الجميع بالنفع، و بصورة لا تناقض مبدأ التبادل الحر الطوعي.

الغرف التجارية و النقابات: ما عليهم

حتى و لو لم يناقض اتحاد عمالي او غرفة تجارية لمبدأ التعامل الحر، هناك عواقب لبعض سياساتهما يجب ان تتخذ في الحسبان ان كان الافراد و المؤسسات اللتي تشارك في اي عمل حرفي او مهني او تجاري جماعي يبغون ما هو أحسن، ليس فقط لأنفسهم، و لكن للمجتمع ككل.

فمثلاً، مجموعة من المستثمرين في قطاع معين قد يبرموا اتفاقات تجعل من الصعب على منافس اخر من البقاء في المنافسة، او تصعب من دخول شركات ناشئة في هذا القطاع. من منظور ليبرالي نقي هذا لا عيب فيه لانه لا يناقض مبدأ التعامل الحر بين الافراد و المؤسسات، فلم يُرغِم احد الشركات الأضعف او الناشئة على التنافس في مثل هذه الأجواء و لا يحق لاحد ان يمنع طرفين من العمل الجماعي الطوعي حتى ولو كان له اثار جانبية سلبية على الأخريين.

هذا النوع من الليبرالية يحمي حق الجميع في العمل الجماعي الطوعي، فكما يحق هذا للشركات الأقوى، فهو أيضاً حق للشركات الصغيرة على تكوين غرفهم التجارية المستقلة. ان كان ما تقدمه الشركات الصغيرة ما هو حقاً فريد و ذا قيمة، فتحت مبدأ احترام حقوق الملكية سيكون لتلك الشركات دور اساسي في الاقتصاد القومي ما يضمن بقاءها مهما كانت صغيرة.

و كذلك بالنسبة للنقابات. في الحالة العمالية مثلاً هناك عمال في قطاع معين من هم موظفون بالفعل، فيقرروا تكوين اتحاد مستقل كي يساوموا اصحاب الاعمال في هذا القطاع على رفع أجورهم مثلا. لكن رفع الأجور هذا له عواقب سلبية على من لا عمل لهم في هذا القطاع، لان تحت قانون العرض و الطلب، كلما زاد سعر العمالة كلما قل الطلب عليها و هو ما يؤدي الى تقليص فرص العمل و الى ازدياد صعوبة تشغيل من لا عمل لهم في هذا القطاع.

لم تكن هذه مشكلة ان كان هناك طلب على العمالة اعلى من عرض العمالة. لكن المشكلة في الأساس هي مشكلة ندرة فرص العمل. لو لم تكن هناك ندرة لما كانت هناك مشكلة و ما كنا لنشهد هذا الصراع الدائم على العمالة و شروطها و طبيعتها.

لكن كما هو الحال مع الغرف التجارية، تحمي الليبرالية في اكثر أشكالها نقاء حق هؤلاء العمال ذوي الوظائف على العمل الجماعي الساعي وراء تحسين أوضاعهم حتى ولو جاءت على حساب من لا عمل لهم. و لكن، تحت شعار العمل الجماعي الحر، يحق لمن لا عمل لهم لتكوين اتحاداتهم سعياً لعرض عمالتهم بسعر أرخص من ذلك الذي تطلبه الاتحادات الممثلة لمن هم موظفون في هذا القطاع.

فكما ان هناك منافسة بين الشركات و الغرف التجارية، يجب ان يكون هناك إتاحة فرصة لجميع النقابات المستقلة على العمل الحر و الذي هو بطبيعة الحال سيكون تنافسي كذلك. هذه الأوضاع بالطبع لن تقضي تماماً على البطالة و لن تؤدي الى وضع يرضي تماماً من هم لهم وظائف و يسعون لتحسين دخلهم.

السبيل الوحيد لتقليص مثل هذه التأثيرات الجانبية السلبية هو زيادة الوعي بمثل هذه التضادات و هذا لأن ان كان لك عمل اليوم، فالمطالبة بدخل اعلى قد يؤثر بالسلب على فرص عملك بالغد ان فقدت عملك، كذلك يجب ان يكون عرضك لعمالتك لا يكون مبالغ في ترخيصه لانه سيعود عليك بالسلب حين تحصل على وظيفة غداً.

لكن في الحالتين، ان كنت موظفاً ام لا، فهناك حد أدنى لما نقبله كي نعمل و نحصل على قوتاً في الحياة. و لذلك من المستحيل القضاء التام على البطالة، و يستحيل كذلك الوفاء بكل ما يطلبه من هم لهم وظائف.

نقطة الخلاف الاساسية مع اليسار

الكثير ممن ينسب نفسه لليسار يفهم جيداً هذه التضادات و انه لا يمكن تحقيق هذا العالم المثالي الذي فيه يكون كل فرد من افراد المجتمع له وظيفة ترضيه و تحقق كل رغباته كي يعيش حياة كريمة.

لكن البعض منهم لا يعي ان مشكلة ندرة فرص العمل هي حقاً مشكلة خارج إرادتنا جميعا. المتشددين منهم بالأخص يميل ميلا كاملا لتحميل العبيء على كاهل اصحاب العمل. فيصفونهم بالجشع و استغلال حالة العمال اليائسة (و هذا صحيح في بعض الاحيان، لكنه غير صحيح عامة– فلا يصح أبدا معاملة جميع اصحاب الاعمال على انهم استغلاليين). فيطالبوا الدولة بإتخاذ سياسات قد تفيد بعض العمال على حساب اصحاب الاعمال، و يتغاضون عن العواقب السلبية على من لا عمل لهم (في حالة فرض قوانين الحد الأدنى للأجور) او على من هم لهم عمل بالفعل (عن طريق قوانين “تضمن” عمل للجميع). و في الكثير من الاحيان يطالبوا الحكومة بفرض قوانين حد أدنى و ضمان وظاءفي متغاضين تماماً عن مشكلة الندرة اللتي تحدثت عنها سابقا. هذا التغاضي عن المشكلة و السياسات الحكومية المبنية عليها يؤدي الى تثبيط الاستثمار و هو ما يؤدي الى تقليل فرص العمل و هو ما يضر بالعامل و صاحب العمل، كلاهما.

من أسوء تلك السياسات الحكومية أيضاً هي إعطاء حكر لبعض النقابات و منع التنافس النقابي الحر المستقل. هذا الاحتكار لتمثيل العمال و المهنيين هو إعطاء وقاية قانونية لتلك النقابات في منع البعض من العمل ان لم ينتموا للنقابة و ان لم يتبعوا سياستها. فهذا يعتبر تعدي صارخ على حق المواطن في العمل الحر.

فلا يمكن ان نسعى للدفاع عن العامل من استرقاق اصحاب العمل و في ذات الحين نجعل منه عبدا لنقابة واحدة لها حماية احتكارية شبه كاملة من الدولة.

نقطة الخلاف الاساسية مع النيوليبراليين

على الوجه الاخر، هناك بعض الليبراليين من هم ينادون لإعطاء القطاعات، بل حتى بعض الشركات، حماية خاصة و تفضيل من الدولة تحت ذرائع مختلفة (بالاخص اتباع سياسات نيوليبرالية هي في رأي منافية لليبرالية السليمة) لحماية تلك القطاعات و الشركات من الوفاء بالعقود المنعقدة مع بعض النقابات و الافراد. الأداة الاساسية لهؤلاء هي استخدام الغرف التجارية و ما لها من قوة لإرغام الحكومة على تفعيل مثل هذه السياسات التمييزية لبعض الشركات و القطاعات القوية سياسيا على حساب الأضعف منها و على حساب العمال و المهنيين. هذا يعتبر نوع من الاحتكار المحمي من الدولة، و هذا لا مكان له في الدولة الليبرالية.

و ما هو أسوء من هذا هو ما شاهدناه اثناء عصر النظام المستبد السابق. فهذا النظام لا يمكن حتى وصفه بالنيوليبرالي، فما كان هذا النظام الا نظام محسوبية فاسد لا ينتمي لأي سياسة ليبرالية كانت ام نيوليبرالية.

ما علينا جميعا ان نتذكره هو ان…

… ليس هناك فرص عمل من دون هؤلاء من يخلقونها من اصحاب الاعمال ممن لديهم أفكار بناءة لسد حاجة في المجتمع، و ليس هناك انتاج و رخاء للجميع من دون المهنيين و الحرفيين. و يحق لكل الأطراف من الاستفادة المادية و العائد المعنوي نظير المجهود الذي يبذله الفرد مقابل عطاؤه. و كذلك يحق للجميع التفاوض الحر المستقل، الغير مستغل لسلطان الدولة لإرغام الطرف الاخر على التعامل و التبادل بالسخرة. و كذلك يجب ان نتذكر ان الواقع يفرض علينا قيود (الندرة) لا يمكنا التغاضي عنها لآل بنا المآل الى وضع أسواء من واقعنا الحالي. فالوعي بهذه القيود هو اول خطوة في الاتجاه الصحيح للارتقاء بحال بلادنا الاقتصاي.

يمكنكم متابعتنا على تويتر libraliyya@ و على فيسبوك http://www.facebook.com/Libraliyya

Tags: , , , , , , , , , , , , ,

Trackback from your site.

Comments (1)

Leave a comment