من هو المصرى؟

Written by SaraLabib. Posted in + فلسفة, + مجتمع, ليبرالية +

كتابة ساره لبيب

يستفزنى جداً الكلام عن المواطن المصرى او الشعب المصرى كأنه رجل واحد له رأى واحد و رؤية واحدة للمستقبل. فأنا اسمع مثلاً من يوّكل نفسه عن شعب عريق غنى بالاختلاف و التعددية و يجرؤ ان يقول الشعب يريد هذا او ذاك و يرفض هذا, الشعب كله يتفق على هذه الطريقة او لا يتفق و عادات الشعب هى هذه و اى شئ آخر فهو دخيل على الشعب المصرى و جزء من مؤامرة خارجية على مصر الخ. لن اتكلم هنا عن تاريخ مصر الحافل و الذى يجمع بين الحضارات المختلفة مثل الفرعونية, الرومانية, الهلنستية,  البيظنطية, القبطية, العربية, الاسلامية و العثمانية. لن اتكلم عن مدينة مثل الاسكندرية كانت تجمع بين اليهود و اليونانيين و الايطاليين و الارمن و غيرهم.

دعونا نترك التاريخ لحاله و نتكلم عن المصرى الآن: من هو المصرى؟ صف لى المواطن المصرى… قد تقول المواطن المصرى هو صاحب البشرة الخمرية فأجيب انا و اقول: حسين فهمى مصرى ومحمد منيرمصرى.. قد تقول المصرى هو من يعتنق الديانة الاسلامية او المسيحية فأجيب انا و اقول: المصرى مسلم, مسيحى, بهائى, يهودى, ملحد و لادينى… المصرى سنى و شيعى, سلفى و صوفى, ارثوذوكسى و بروتستانى و كاثوليكى.. المصرى متدين حق و منافق.. المصرى معتدل و متطرف. المصرى هو من يحيا فى مدن الصعيد و الاحياء الراقية و الريف و العشوائيات, هو الفلاح و الصياد و رئيس مجلس ادارة الشركات.. هو الفقير و متوسط الدخل و صاحب المليارات… هو البلطجى و الفاسد و هو ايضاً الكريم و الشجاع. المصرى ليبرالى و يسارى, شيوعى و رأسمالى. المصرى زملكاوى و اهلاوى … اتحاداوى و اسمعلاوى

نحن شعب واحد يجمعنا تاريخ واحد و ثقافة واحدة الى حد ما لكن من الحماقة ان ندّعى ان هناك  ”شعب مصرى موحد” ليس له وجود على ارض الواقع : شعب ليست فيه تعددية, يتفق على رأى واحد, له مظهر واحد و فكر واحد و عادات و تقاليد واحدة. جرائم عديدة عرقية و دينية اُرتكبت فى العالم لرفض البعض الاعتراف بالتعددية. فلننظر الى يغوسلافيا سابقاً عندما كانوا ابناء القرية الواحدة يقتلون بعضهم البعض لأنهم يختلفون عرقياً او دينياً بعد ان كانوا يعيشون سوياً فى سلام عقود عديدة, فلنتذكر المانيا قبل و اثناء الحرب العالمية الثانية و الحقد على كل من لم يمتلك مواصفات الشعب الآرى المثالى. هناك ايضاً امريكا والمشاكل التى واجهها اصحاب البشرة السمراء حيث كان يرى البعض انهم لا يستحقون حقوق المواطنة الكاملة بسبب لون بشرتهم… و امثلة كثيرة اخرى مؤلمة تظهر لنا قباحة المجتمع الذى لا يرحب بالتعددية او يقبلها فيحاول ان يقضى عليها بالعنف و اللانسانية.

انا حقاً استغرب لرد فعل الكثيرين عند حدوث جرائم طائفية دينية فى مصر مثلاً فيقولون ان المجرم “اكيد مش مصرى” و ان المصريين ليس عندهم مشاكل طائفية و ان هناك ايادى خارجية تتسبب فى هذه الجرائم… هكذا نحاول ان ننكر ان هناك “مواطن مصرى متعصب و مجرم و يسيئ فهم الدين او يتاجر به”. نحاول ان ننفى ان عندنا مشاكل بدلاً من مواجهتها بشجاعة و صرامة. ازعجتنى ايضاً فكرة سحب الجنسية عن هؤلاء الذين يخالفون المطابقات المختلقة “للمواطن المصرى المثالى” حسب البعض فأصبح المصرى الفاسد ليس مواطن فى رأى البعض كأن الفساد السياسى و الاقتصادى شئ دخيل على “المصرى الحق” الذى لا يمكن ان يرتكب الجرائم السياسية و هكذا ايضاً فكرة سحب الجنسية من اشخاص لأننا نختلف معهم فى الرأى… هذه الافكار خطيرة و مخيفة بكل المقاييس وتدل على ان التعصب و عدم قبول و احترام “الآخر” اصبحوا مقبولين فى مجتمعنا الى حد كبير.

كتبت هذا الموضوع لثلاث اسباب: الاول هو اننا يجب ان نحتضن و نرحب بالتعددية الموجودة فى مصر… فهى كنز يجب ان نتقبله و نشكر الله عليه لأن التعددية و تداول الافكار و الآراء المختلفة دائماً ما تخلق مجتمع متفتح و مبدع و الانسان الذى يخاف من الافكار الغريبة عليه هو من لا يثق بقوة فكره فيحاول ان يلغى اى معارضة او اختلاف حتى لا يضطر الدفاع عن فكره الخاص. لكن من يقبل تداول الافكار و وجهات النظر هو من يثق فى فكره و هو ايضاً من يملك التواضع ليستوعب انه قد يتعلم من افكار غيره و يكتسب منها ما ينفعه.

السبب الثانى هو التحذير: اريد ان احذر من الافكار المتعصبة التى لا تعترف بالغير و لا تقبله و لا تحترم حقوقه. “المواطن المثالى المصرى” ليس له وجود على ارض الواقع و علينا ان نكف فكرة ان كل ما هو شاذ عن ما نسميه نحن “المواطن المصرى الحق” فهو ليس مصرى… كل مصرى بغض النظر عن دينه او عرقه او اراءه هو مصرى و حقوقه مكفولة و لا يحق لأى انسان ان يغتصب حقوق المواطنة بأى شكل فكل مصرى له نفس الحق فى الوطن و على الكل احترام حريته فى ان يحيا كما يشاء طالما لا يؤذى غيره. ليس من حق احد ان يحدد مواصفات “المواطن المصرى” و يقول ان كل ما هو شاذ عن هذه المواصفات هو مندس او دخيل او جزء من مؤامرة. حق المواطنة مكفول لكل مصرى حتى لو كان هو الوحيد على ارض الوطن الذى يتبنى فكر معيّن.

اخيراً  اوضح ان كل مواطن مصرى فريد و علينا اذاً ان نتعلم و نعلم الاجيال القادمة ان “المصرى” هو انت و انا باختلافاتنا.. “المصرى” اشياء كثيرة و لكن اهم شئ هو ان المصرى  فى النهاية مواطن و ليس من حق احد – اياً كان – ان يملى شخصية وهمية مفتعلة على بعض المصريين و يقيُد حريتهم ويغتصب حقوقهم المقدسة فى ان يعيشوا حياة حرة كريمة, متساويين مع بقية المواطنين.

Trackback from your site.

Comments (1)

  • ليبرالية » إسكات المعارضة

    |

    [...] كتبت فى العام الماضى عن عدم وجود “شعب مصرى” واحد موحد يمكن ان نوصفه و نتكلم عنه كأنه شخص واحد. ما جعلنى اكتب هذا المقال آنذاك كان الحديث عن “الشعب واعى و بيفهم كل حاجة”، “الشعب غبى و ميتحكمش إلا بالحديد”، “الشعب متدين و لا يقبل بحكم غير إسلامى” الخ. كله تعميم و محاولات لإحتكار الحديث بإسم الشعب. فكأى شعب فى العالم هناك الغبى و الصايع و البلطجى و الواعى و المتدين و المنافق و المتدين الليبرالى و من يتاجر بالدين الخ. لا اريد ان اكرر ما كتبته من قبل لكن بعد مرور اكثر من عام على  رحيل الرئيس السابق اريد ان اكتب عن ظاهرة خطيرة تهدد الساحة العامة و حرية الحديث بها و هى إتهامات ب “التعالى” على الشعب و لها مسميات  اخرى كثيرة مثل كلمة “نخبة” او “دخيل”مثلاً [...]

    Reply

Leave a comment