الحالات المقررة قانوناً لإعادة فتح التحقيقات فى قضية موقعة الجمل

Written by Islam Hussein. Posted in + نظام سياسي, ليبرالية +, مقالات ليبرالية

كتابة كريم عماد

تناقلت وسائل الإعلام المصرية فى اليومين الماضيين الأخبار المتعلقة بقرار نيابة وسط القاهرة بشأن إعادة فتح التحقيقات فى قضية قتل المتظاهرين يوم 2 فبراير والمعروفة إعلاميا “بموقعة الجمل” والتى قضت محكمة الجنايات فيها ببراءة جميع المتهمين. وفى حقيقة الأمر ، فإنه مما يؤسف لها حقاً أن
 إعادة التحقيقات فى قضية موقعة الجمل سيتمخض عن مهزلة قانونية مكتملة الأركان تضرب بعرض الحائط المبادىء القانونية المستقرة فى فقه وقضاء القانون الجنائى. ولذك سوف أتحدث فى هذا المقال عن الحالات المقررة قانوناً والتى يمكن الإستناد إليها لإعادة فتح التحقيقات فى قضية موقعة الجمل موضحاً مدى إنطباق ومشروعية كل حالة منها:

الحالة الأولى: طلب إعادة النظر – وهو طريق طعن إستثنائى تنظمه المواد من 441 إلى 453 من قانون الإجراءات الجنائية. ولا يجوز تقديم هذا الطلب إلا فى خمسة حالات محددة على سبيل الحصر فى المادة 441 التى تنص على أنه: “يجوز طلب إعادة النظر فى الأحكام النهائية الصادرة بالعقوبة فى مواد الجنايات والجنح فى الأحوال الآتية: (1) إذا حكم على المتهم فى جريمة قتل ثم وجد المدعى قتله حيا. (2) إذا صدر حكم على شخص من أجل واقعة ، ثم صدر حكم على شخص آخر من أجل الـواقعة عنها ، وكان بين الحكمـين تناقـض بحيث يستنتج منه بـراءة أحـد المحكوم عليهما.  (3)إذا حكـم علـى أحـد الشـهود أو الخـبراء بالعقوبة لشهادة الزور وفقا لأحكام الباب السادس مـن الكتاب الثالث مـن قانـون العقوبات ، أو إذا حكم بتزوير ورقة قدمت أثناء نظر الدعوى ، وكان للشهادة أو تقرير الخبير أو الورقة تأثير فى الحكم.  (4) إذا كان الحكم مبنيا على حكم صادر من محكمة مدنية أو من إحدى محاكم الأحوال الشخصية وألغى هذا الحكم. (5) إذا حدثت أو ظهرت بعد الحكم وقائع أو إذا قدمت أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة ، وكان من شأن هذه الوقائع أو الأوراق ثبوت براءة المحكوم عليه.” ويتضح مما تقدم أنه لا يمكن الإستناد إلى هذا الطريق لفتح التحقيق مرة أخرى فى القضية لأن الأمر يتعلق بالأحكام النهائية الصادرة بالعقوبة وبالتالى لا يمكن تطبيق ذلك على قضية موقعة الجمل الصادر فيها حكم ببراءة كل المتهمين (24 متهماً). وحتى إذا حاول البعض الإستناد إلى الفقرة الخامسة من المادة 441 التى تتحدث عن ظهور وقائع أو أوراق جديدة فهذا أيضاً لا ينطبق لأنه يجب أن تكون هذه الوقائع والأوراق الجديدة من شأنها إثبات براءة المحكوم عليه وليس إدانته. وبناء عليه فإن محاولة سلوك طريق إعادة النظر وفقاً لأحكام المواد من 441 إلى 453 سيشوبها بطلان واضح لأن هذا الطريق الإستثنائى مخصص أصلاً لتخفيف العقوبة وليس لإعادة فتح التحقيقات بغرض تشديد العقوبة وهذا ما يتفق مع جوهر مبادىء القانون الجنائى التى تشمل إستفادة المتهم من القانون الأصلح وليس القانون الأشد وأن المتهم لا يجوز أن يضار من طعنه. المواد من 442 إلى 453 توضح الإجراءات المتبعة لإعادة فتح التحقيقات فى أى من حالات المادة 441 ولكنى لا أظنها لازمة التفصيل هنا لعدم إنطباق هذا الطريق الإستثنائى من طرق الطعن على القضية الراهنة.

الحالة الثانية: العودة إلى التحقيق لظهور دلائل جديدة – وهو طريق من طرق الطعن على الأوامر الصادرة من قاضى التحقيق بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية وقد نظمته المادة 197 من قانون الإجراءات الجنائية التى تنص على أنه: ” الأمر الصادر من قاضى التحقيق بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى يمنع من العودة إلى التحقيق إلا إذا ظهرت دلائل جديدة قبل انتهاء المدة المقررة لسقوط الدعوى الجنائية. ويعد من الدلائل الجديدة شهادة الشهود والمحاضر والأوراق الأخرى التى لم تعرض على قاضى التحقيق ، ويكون من شأنها تقوية الدلائل التى وجدت غير كافية أو زيادة الإيضاح المؤدى إلى ظهور الحقيقة. ولا تجوز العودة إلى التحقيق إلا بناء على طلب النيابة العامة.” وهذا الإجراء أيضاً لا ينطبق على قضية موقعة الجمل لأن القضية وإن كان قد تولى تحقيقها قاضى تحقيق إلا أن هذه المادة تتحدث عن صدور أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية (أى حفظ الدعوى) وهو ما لم يحدث فى قضية موقعة الجمل حيث صدر قرار قاضى التحقيق بإحالة الأوراق إلى محكمة الجنايات بإتهام 24 متهماً.

الحالة الثالثة: إعادة التحقيقات وفقاً للإعلان الدستورى الصادر فى 8 ديسمبر 2012 – هذا هو السند القانونى الواضح بل الوحيد لإعادة فتح التحقيقات فى قضية موقعة الجمل وإن كان وصفه بالسند القانونى غير دقيق لما يشوبه من بطلان صارخ وعوار لا يقل عاراً عن محاكمات ما سمى برموز النظام البائد وقوى الرجعية فى عصر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. فقد نصت المادة الأولى من الإعلان الدستورى الصادر فى 8 ديسمبر 2012 على أنه: ” فى حالة ظهور دلائل أو قرائن جديدة تعاد التحقيقات فى جرائم قتل، والشروع فى قتل، وإصابة المتظاهرين، وجرائم الإرهاب التى ارتكبت ضد المواطنين فى المدة الواقعة ما بين يوم 25 يناير 2011، ويوم 30 يونيو 2012، وكان ارتكابها بسبب ثورة 25 يناير أو بمناسبتها أو متعلقا بها. فإذا انتهت التحقيقات إلى توافر أدلة على ارتكاب الجرائم المذكورة أحالت النيابة العامة القضية إلى المحاكم المختصة قانونًا، ولو كان قد صدر فيها حكم نهائى بالبراءة أو برفض الطعن بالنقض المقام من النيابة العامة على حكم البراءة.” المشكلة فى إعادة فتح التحقيقات بمقتضى هذا الإعلان الدستورى هو أن ذلك يتعارض مع المبدأ القانونى المستقر الذى يعرف بــ “حجية الأمر المقضى به” وكذلك مبدأ عدم جواز محاكمة المتهم عن ذات الفعل مرتين. وإذا تمت إعادة التحقيقات بهذه الطريقة والإحالة إلى المحكمة المختصة فأى قاض لديه ذرة من ضمير سيقضى بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها وهذا دفع من الدفوع الشكلية التى يجب على المحكمة الفصل فيها قبل النظر فى الدفوع الموضوعية. ولذلك أعتقد أن إجراء المحاكمات بهذه الطريقة الباطلة سوف يؤول إلى الرفض والبراءة وبالتالى لن يكون أمام النظام الحاكم من سبيل للإنتقام والحصول على أحكام بالإدانة سوى إنشاء محاكم ثورية. وقد كشف الإعلان الدستورى الصادر فى 21 نوفمبر عن هذه النية بمادته الأولى التى نصت على أن تتم إعادة التحقيقات وفقاً لــ “قانون حماية الثورة” وهذا الإعلان الأخير وإن كان قد تم إلغاؤه مع بقاء ما يترتب عليه من آثار إلا أنه قد جاء كاشفاً عما يدور بخلد النظام الحاكم. ومن المؤسف للغاية أن إعلان 8 ديسمبر 2012 جاءت تلاوته على مرأى ومسمع بل وبمشاركة قامات قانونية ما كنت أظن يوماً أن تضع يدها فى هذا المستنقع! وأخيراً ففى رأيى المتواضع أن الحديث فى وسائل الإعلام عن ضرورة فتح التحقيقات فى القضية لكشف القتلة الحقيقيين هو حديث لا يخلو من سذاجة مفرطة لأن إجراء المحاكمات بهذه الطريقة لا يمكن أن يمس النظام أو الحزب الحاكم من قريب أو من بعيد حيث الغرض ليس تقديم جناة جدد بل الإنتقام ممن حصل على البراءة أمام قاضيه الطبيعى سواء تم ذلك بمحاكم ثورية أو تم بإحالة التحقيقات الجديدة إلى قضاة موالون للنظام الحاكم لإصدار الأحكام المطلوبة.

Trackback from your site.

Leave a comment