بل هي ثورتهم…

Written by Islam Hussein. Posted in + دين, + فلسفة, + مجتمع, + نظام سياسي, ليبرالية +, مقالات ليبرالية

كتابة وائل السحار

حالة الاستقطاب العنيف في المجتمع المصري تدعو إلى التأمل. التصعيد المتوالي والحشد المتزايد ينذران بمواجهات لن تكون إلا دموية. أجد معظم التفسيرات المتداولة – لهذا التصعيد – سطحية وغير كافية. فلا الإخوان، ومن سار على نهجهم، بنعاج تساق إلى أتون حرب أهلية يتوق لها قيادات جماعتهم، ولا معارضي التحرير متشوقون للتضحية بحياتهم فداءا للعلمانية ونصرة للشيوعية.

بعد إمعان تفكير، اعتقد أن التفسير الوحيد هو أن الطرفان يستميتان بشدة للدفاع عن ثورة يعتقدا أنها تمر بلحظة دقيقة تبرر استخدام جميع الأساليب القانونية والشعبية للعبور منها. ولو اختلفت الظروف وكان الطرفان في معسكر واحد في مواجهة الجيش، على سبيل المثال، ما كانت قرارات مرسي الأخيرة لتسبب الكثير من اللغط، بل كان سيرحب بها كضربات موجعة لبقايا الفساد وفلوله. وفي الحقيقة فانك لتجد أدلة على هذا الموقف في ردود أفعال بعض القوى الثورية التي رحبت بقرارات إعادة المحاكمات و إقالة النائب العام، واعترضت فقط على قرارات التحصين رغم أن تعدي الرئيس على سلطاته الدستورية واستقلال القضاء ثابت في الحالتين. لا يهم. اللحظة الدستورية تتطلب الخروج عن الثوابت.

إذن فلما التصادم؟ التصادم منبعه في الحقيقة أن هناك ثورتان. يشتركان في نفس الاسم، ولكن ينظر كل طرف لثورته في إطار مختلف تماما عن الأخر، وحتى أن التقيا في بعض الأوقات فان مصيرهما لصدام.

ثورة التحرير – مجازا – هي الثورة التي بدأت في الخامس والعشرين من يناير وشهدت الإطاحة بحسني مبارك، ثم مضت بسلسة من الإخفاقات (استفتاء الدستور، مواجهات محمد محمد، انتخابات البرلمان، انتخابات الرئاسة)، أريقت خلالها الكثير من الدماء التي لم تساهم في إنجاح هذه الثورة بقدر ما ملأت المشاركين فيها بالمرارة والرغبة في الثار. لم ينجح أي تيار فكري في تجميع قوى تلك الثورة، وان ظهرت مجموعة تعتبر نفسها الطليعة الثورية لدورها في الدعوة للمظاهرات الأولى والاتصال مع المجموعات العمالية المختلفة. بالنسبة لهم لا تزال الثورة مستمرة لتحقيق أهداف في أكثرها مبهمة أو صعبة القياس

ثورة الإخوان – سيعترف أكثر الإخوان تشددا أن ثورتهم جاءت بتشجيع من النجاحات الأولى لثورة التحرير، ولكن – اعتقد – أنهم مقتنعون تماما أن ثورتهم هم هي التي أنقذت ثوار التحرير من مصير بائس بدءا من 28 يناير حيث كانت ضرباتهم المنظمة للأقسام والسجون سببا مباشرا في اختلال توازن الشرطة، مرورا ب 2 فبراير حيث كان دورهم في موقعة الجمل (كيفما اعتقدت: دفاعا أو هجوما) سببا مباشرا في الحفاظ على التعاطف الشعبي بعد خطاب مبارك الفعال، ثم حشدهم لاستفتاء الدستور الذي أغلق الباب على تدخل فلول الحزب الوطني، انتهاء بانتصارهم على تلك الفلول في انتخابات البرلمان، والرئاسة و إطاحتهم بقيادات الجيش الموالية للنظام السابق. وبناء على تلك النظرة فالإخوان يعتقدون تماما أنهم استحقوا قيادة تلك الثورة وانه من المجحف عرقلة تقدمهم نحو هدفهم (المعلن) للسيطرة الكاملة على مفاصل الدولة وتشكيلها طبقا لرؤيتهم للدولة الإسلامية الفاضلة ومشروع الإخوان المسلمين. ولهذا فان أي محاولة لعرقلة تلك الثورة هي في الحقيقة معاداة لمشروعهم والشريعة التي ألهمته، بلا مزايدة ولا تكلف

دعني أوضح أن ما أسلفت ليس تحليل للحقيقة كما أراها (لا توجد حقيقة واحدة في مجموعة من الأحداث المتشابكة والتي تضم الملايين من البشر والكثير من المتغيرات)، ولكنه محاولة لفهم الصورة من الناحيتين وتفسير التصعيد الحاد في هذا الإطار.

ولكن بالنظر إلى النتائج (حتى اليوم) فانه من الصعب جدا عدم الاعتراف بان ثورة الإخوان هي الانجح. فالفوز بالرئاسة، وبكتابة الدستور، والسيطرة التدريجية على مفاصل الدولة هي علامات ثورة ناجحة.

********************
ولكني لست هنا اليوم لكي اعترف بملكية الإخوان للثورة فقط. أنا هنا لكي أتبرأ منها

ليس لنتائجها فقط، فانا أزعم أني ربما كنت وصلت إلي نفس القرار أن أخذت الأمور منحي أخر واستأثر فصيل قومي مثلا بمقاليد الحكم. ولكن لطبيعتها التي تختلف مع ما أؤمن به، والتي ظهرت جلية من خلال خطوات الإخوان الأخيرة وردود الأفعال عليها

فالثورة تدعوك إلى تجاهل القانون بدعوى “الشرعية الثورية” وأنا أؤمن بان قانون ظالم أعدل من لا قانون
الثورة تدعوك إلى الأخذ بالظنون والعقاب الجماعي من أجل “التطهير” وأنا أؤمن أن تبرئة مجرم أهون من ظلم بريء
الثورة تدعوك إلى الهروب من تحمل المسئولية وإلقائها على “الثورة المضادة” وأنا أؤمن بالمسئولية الشخصية
الثورة تجبرك على طمس الخلافات و التظاهر ب”وحدة الصف” و أنا أؤمن بالحوار الصادق والمباشر حول الاختلافات قبل نقاط الاتفاق
الثورة في كل الحالات مقصدها الدولة والتحكم في مؤسساتها الجمعية، وأنا مقصدي حرية الإنسان الفردية، قبل كل شيء، من الدولة
تقنعك الثورة أن كل تلك التنازلات وقتية، وننسي أن وقتية هي أعمارنا على الأرض لنقضيها بعيد عن مبادئنا

هي ثورتهما، وأنا منها براء…

********************

هل هناك أي أهمية للتبرئ من الثورة في هذه اللحظة؟ نعم.
ينظر الكثير من الناس للخلاف القائم بين أصحاب الثورتين بامتعاض. كلاهما يبدو كان لا مبادئ له، وان الخلاف بينهما هو على اقتسام المكاسب ليس أكثر (شافوهم بيتحاسبوا). يحلو لبعض فاقدي الأمل القول أن “هذه هي السياسة: لعبة مصالح قذرة”. ولكني اختلف مع هذا الرأي. يمكن للعملية السياسة أن تخلق التوازنات التي توءدي إلى استقرار المجتمع وضمان حرية الفرد. ولكن تلك العملية تتطلب ثقة المجتمع وتفويضه لها. تلك الثقة لن تأتي بالصراع على التحكم في الدولة عن طريق دستور هذا أو ذاك، ولكن عن طريق التعبير الصريح عن القيم التي ستحارب من أجلها أن وصلت للحكم. الصدق هنا أهم من شعبية الآراء. فالناخبون في كل مكان في العالم يفضلون المرشح الواضح القيم، وان اختلفوا معها، عن المرشح الغير واضح وان حاول إرضائهم (لذلك ينجح الإسلاميين فيما يفشل فيه المتشدقين بشعارات من عينة “العدالة الاجتماعية”). الخروج من عباءة الثورة يتيح التعبير بلا حرج عن الرأي دونما اعتبارات التوافق اللحظي. الأهم أنه يزيل حاجز “لما الثورة تنجح” المتعالي الذي يطلب من جموع الناخبين السمع والطاعة حتى تضع الثورة أوزارها قبل أن يحاول إقناعهم بجدية هذا الطرف أو ذلك في حال تمكنهم من الحكم

Trackback from your site.

Leave a comment