رسالة من صعيد مصر: النخبة اليسارية و العلوية الطبقية

Written by Islam Hussein. Posted in + اقتصاد, + فلسفة, + مجتمع, + نظام سياسي, مقالات ليبرالية

كتابة دلال السيد

انا مولودة في قرية في الأقصر اواخر السبعينات، لما اتولدت بيتين بس في بلدنا كلها كان واصل لهم مية وكهرباء، وبيتنا ما كانش واحد منهم.

والدي جامعي بس على ايامه ما كانش في وظائف كتير للمتعلمين عندنا وهو ما كانش عايز يسيب بلده ويروح يشتغل في القاهرة زي كتير من الشباب المتعلم ايامها ما كان بيعمل ولسه بيعمل، فاشتغل موظف في المحافظة، والدتي مدرسة تاريخ، واحنا كنا 12.

أطفال و رأس مال الأقصر الحقيقي

أطفال و رأس مال الأقصر الحقيقي


المية والكهرباء دخلت وانا عندي 4 او 5 سنين فمش فاكرة الدنيا قبل كده كانت عاملة ازاي بس فاكرة ان احنا ما كانش عندنا غسالة ولا تلفزيون ملون الا وانا ثانوية عامة، كنا بنغسل على ايدنا، ومحدش كان عنده تكييف في البيت ايامها، مراوح بس، الأقصر كلها يمكن ما كانش فيها طريق مسفلت واحد، ومجاري طافحة، وترع وبلهارسيا وجارديا وحميات غريبة.

المرافق العامة كلها كانت في حالة مزرية، الأقصر ما كانش فيها اوتيل واحد محترم، ولو فكرت تاكل بره تبقى بتلعب في عداد عمرك، وقالك الأقصر بلدنا بلد سواح، معظم السواح اللي كنا بنشوفهم ايامها كانوا مهاويس الآثار عواجيز الخواجات زي ما كانوا بيقولوا عليهم عندنا، المتخصصين اللي عندهم استعداد يستحملوا كل ده عشان الآثار، اكيد كان صعب وقتها يبقى عندك صناعة سياحة او عائلات مثلا تيجي تقضي اجازات وكده، السياحة في الأٌقصر فعلا عرفت ثورة حقيقية في اخر 10 سنين.

خدمة التليفونات في البيوت كانت انتظار سنتين، لو عندك مكالمة تليفون كنت تروح البوسطة تستخدم تليفونات عمومية، اللطيف ان احنا دخلت عندنا الموبايلات قبل خطوط التليفون والأنترنت ما تمد وتوصل البيوت كلها، ما اعتقدش لحد النهارده وصلت للكل.

تقريبا نص العيال اللي كانت دفعتي في المدرسة يا ما كملوش جامعة او كملوش ثانوي اصلا، ده مع ان التعليم كان مجاني، بس كتير منهم اهاليهم ما كانتش تقدر تشيلهم 4 او 5 سنين بكالوريوس، فكانوا يسيبوا الدراسة ويطلعوا يشتغلوا اي حاجة، والبنات كانت بتتجوز بدري بدري برضه عشان تخفف على اهاليها، حتى تعليم الحكومة الكخة كان يعتبر ترف.

انا واخواتي اتعلمنا عشان بابا وماما جامعيين فأصروا، بس كلنا اشتغلنا في ثانوي وجامعة بعد الضهر وفي الأجازات عشان نطلع مصاريفنا ونساعد اهلنا، غير كده – ومن غير مجانية التعليم – اللي زينا كان صعب يتعلم.

لما سبت الأقصر عشان الجامعة في القاهرة كان اول احتكاك بالسياسة مع الطلبة اليساريين هناك، قبل كده ما كانش في دماغي، ما كانش عندي وقت اصلا، في الأول كنت معجبة بيهم، عشان كلهم ما شاء الله ولاد عائلات ميسورة ومشغولين بالفقراء، هم اللي خلوني ابتدي اقرا كتير سياسة واقتصاد.

مع الوقت بقيت اتخنق منهم، الغلابة اللي هم كانوا بيتكلموا عنهم من غير ما يعرفوا عنهم حاجة دول اهلي، بالمقارنة بالطلبة دول انا ما كانش ممكن اعتبر نفسي حتى طبقة متوسطة، الفرق كان كبير قوي، لما تبقى حاسس ان الكلام عنك بتضايق لما يوصلك احساس ان الناس دي شايفانا عبارة عن وعاء تفرغ فيه عقد ذنب طبقية، وثانيا ما عجبتنيش نبرة الحقد على البلد، والسلبية والغضب المتواصل بتاعهم ده عمري ما حسيت بيه في الوسط اللي انا جاية منه، يمكن عشان الفقر كان حوالينا في كل حتة فالواحد مش بيبقى حاسس انه محروم وبيبقى شايفه طبيعي، ولما وضعك بيتحسن بتحمد ربنا على النعمة، انا شايفة بالعكس ان بلدي قدمت لي كتير قوي، خصوصا لما فهمت اقتصاد وعرفت امكانياتنا وقد ايه احنا بلد فقيرة.

مش قادرة احدد امتى بقيت يمينية قوي كده بالضبط، جايز جزء من التربية، احنا من وسط فيه القبلية والعائلة الممتدة مترابطة جدا، وكتير من قرايبنا اللي في نفس وضعنا كانوا عايشين سفلقة على قرايب تانيين اغنياء، بس بابا كان رافض تماما اننا ناخد حاجة من حد، جزء من القلق كان ان احنا بنعاني اصلا من سيطرة العرف والتقاليد والقبيلة، فخاف لو بقوا يصرفوا علينا كمان نبقى تحت سيطرتهم اكتر، وده كان اول درس ان مفيش استقلال او كرامة من غير ما تشيل نفسك.

يمكن كمان عامل القبلية الشديدة نفسه اثر عليا، احنا وسط عايش حالة شبه انفصالية، ثقافتنا بتعتبر الحكومة دي يا احتلال اجنبي او على احسن الفروض حد غلس جاي بلدنا يتحشر في اللي مالوش فيه، الخلفية دي بتخلي عندك شك في جدوى الحل الحكومي لأي حاجة، هي ثقافة عمل حر، الناس عندنا صحتها مش بتيجي قوي على قعدة المكاتب والبيروقراطية.

بس الأهم من كل ده هو ان التجربة الشخصية ان احنا بمجهودنا اللي رفعنا مستوى حياتنا وحياة اهلنا، والحمدلله حققنا اكتر كتير من اللي كان ممكن نتخيله واحنا صغيرين، ده بيجهزك لأنك تبقى مقتنع ان مفيش علاج حقيقي للفقر غير انك توفر للناس الأمكانية دي، وان الحكومة مدير فاشل للاقتصاد، وان اكتر حاجة ممكن تحققها لما تمسك مفاتيح الأقتصاد هو العدالة في الفقر، حل مشكلة الفقير انك توفر له امكانية ان يرفع مستوى حياته، مش انك تخلي حد تاني فقير زيه.

السؤال اللي لحد دلوقتي مش لاقية له اجابة واضحة، هو ليه الحقد الطبقي والسخط على مشكلة الفقر والأرث الأشتراكي منتشر في الطبقة المتوسطة والمتوسطة العليا اكتر كتير من الطبقات الأكثر فقرا؟ حتى الأسلاميين على عكس ما ناس كتير فاهمة ابتدوا حركة طلابية في الجامعة يعني طبقة متوسطة برضه، ولما يكتسحوا نقابات المحامين والمعلمين والاطباء والمهندسين وعمادات الكليات اللي هي الطبقة المتوسطة، يبقى لازم نسأل ليه كل الأيدولوجيات “الثورية” المعادية للدولة وللهوية المصرية نفسها بتفرزها الطبقة المتوسطة او النخبة الحضرية المسيسة؟

اعتقد الأجابة هتوضح ليه 25 يناير كانت ثورة طبقة متوسطة ومتوسطة عليا (نخبة وشباب فيسبوك وتويتر واسلاميين وغيرهم ..).

Trackback from your site.

Leave a comment