الليبرالية المصرية: ظواهر و أسباب فشلها و العلاج (٢ المضمون التاريخي)

Written by Islam Hussein. Posted in + اقتصاد, + دين, + فلسفة, + مجتمع, + نظام سياسي, Uncategorized, ليبرالية +

(كتبت هذه المقالة بعد حوار مع الزميل العزيز صامويل تادرس، فأشكره على وجهة نظره الناقدة و الثاقبة.)

كتبت في مقالة الاسبوع الماضي عن خلل اساسي في منهج الليبراليين المصريين لنشر الليبرالية. هذا الخلل بدأ أول ما بدأ مع قدوم المشروع الليبرالي على يد محمد علي في اوائل القرن التاسع عشر. الخلل يكمن في عدم قدرة، و في بعض الاحيان عدم إرادة، النخبة الليبرالية على التواصل مع بقية الشعب المصري ظنا منهم ان هذا التواصل و العملية التقدمية تقع كاملة في مضمار دور الدولة.

محمد علي، حاكم مصر في أوائل القرن التاسع عشر

محمد علي، حاكم مصر في أوائل القرن التاسع عشر

أكثر ظواهر هذا الفشل هو النظرة الدونية للدين و عدم فهم هذه النخبة ان سر تقدم المجتمعات الليبرالية في الغرب ليس في كونهم رافضيين للدين، لكن كون الليبرالية تعطي حرية الاختيار للفرد في كل المجالات و بالذات في مجال العقيدة من دون نبذ للدين او مساندة الإلحاد على حساب الدين (نذكر القارئ الكريم بالفرق الجوهري بين الإلحاد و العلمانية، فالإلحاد هو عدم الايمان بوجود خالق بينما العلمانية هي فصل الدين عن إدارة شؤون الدولة حماية للدين من السياسة و حماية السياسة من التلاعب بالدين).

سؤال هذه المقالة هو: ما هو سر هذا الفشل الليبرالي في مصر؟ لماذا لم يرى ليبرالي مصر قصور أسلوبهم في خلق مجتمع مصري متقدم فكريا و اقتصاديا و سياسيا؟

الاجابة على هذا السؤال تتطلب فهم تطورات تاريخية بدأت في اوروبا منذ القرن الرابع عشر حتى وصلت للقرن التاسع عشر، و هي الفترة التي عرفت ب “الإستنارة” (“enlightenment”) و ب “إعادة البعث” (“renaissance”). مع نهاية القرن الثامن عشر كانت الامارات الالمانية و فرنسا غاية في الرجعية التكنولوجية و الاقتصادية (في مجال الفلسفة قدمت المانيا و فرنسا أفكار جديدة للعالم لكن ليس في المجال الاقتصادي او التكنولوجي). في حين ان بريطانيا كانت غاية في التقدم في مجالات الاقتصاد و التكنولوجيا و حتى في الفلسفة.

نظر قادة العديد من هذه الدول الى بريطانيا و تقدمها في كل المجالات بعين من الغيرة وإذ بهم يرون مدى قدر تخلفهم مقارنة بانجلترا. لكنهم فشلوا أن يفهموا ان سر التقدم الانجليزي هو مجموعة من المبادئ اللتي أخذت وقت طويل (قرون) للتشعب في المجتمع. كانت العملية التقدمية بطيئة لكنها أخيرا أثمرت خير كثير لبريطانيا. هؤلاء القادة أرادوا الثمرات الانجليزية من دون العمل الشاق و الصبر المطلوبين لتحقيق هذا التقدم بصورة جذرية. إذ بهم يحاولون تقليد و منافسة انجلترا ليس عن طريق عملية جذرية تبدأ من اسفل الى اعلى بل من اعلى الى اسفل باستخدام اليات الدولة.

التقدم من هذا النوع لا يغير مجتمع بصورة جذرية و اي تقدم يتحقق لا يكون الا عن طريق إرغام و استعباد الشعب الذي يصخر لخدمة الدولة. التقدم من هذا النوع هو تقدم هش غير مستديم و من الناحية الأخلاقية مقزز لانه يؤدي لاستعباد الشعوب من قبل الدولة: استعباد سياسي و اقتصادي و عقائدي.

ان حدث تقدم فكري فهو ما يأذن به الحاكم و ان كان الحاكم صدفةً مستنير، فهذا قد لا يدوم مع قدوم حاكم جديد. فلم يكن هناك اذا نظام يتيح لأفراد المجتمع للتحسين من حالهم و التحرر الفكري الذي يؤدي للابتكار و الاختراع.

التقليد من اعلى لأسفل اتبعه حكام مثل فريدريش الاكبر في بروسيا و نابليون في فرنسا و من بعدهما بيسمارك في المانيا. و لذلك نرى ان التقدم في هذه البلدان لم يكن أبدا على مستوى التقدم في انجلترا و في الولايات المتحدة، وريثة التراث الليبرالي الانجليزي.

و كذلك في مصر، فكان مشروع محمد علي يتبع نفس المنهج المتبع، ليس في انجلترا، بل في المانيا و في فرنسا و الامبراطورية النمساوية. فمن اسباب فشل الليبرالية المصرية هو انها كانت على غرار نماذج علوية، مستعبدة لشعوبها لا تأبه بخلق فرد حر يسعى للتطوير من نفسه مستقلا عن اي سلطة وغير معتمدا على الدولة في كل شئ.

ما كان مفتقدا في مصر، و بدرجة اعلى من مثيلها في المانيا و فرنسا، هو فئة ليبرالية في المجتمع مستقلة عن الدولة، والتي تقوم بدورها في خلق جو من التوتر بينها و بين الطبقة الحاكمة تسعى دائماً الى إرغام الدولة لا على رعاية برنامج تقدمي علوي، بل تسعى لفتح الطريق امام المواطن للتحسين من وضعه الاجتماعي و السياسي. فئة تنتقد الطبقة الحاكمة بصورة بنائة، و تخاطب الطبقات الاخرى بصورة فيها احترام لعاداتهم و تقاليدهم. في كلتا الحالتين يتم هذا من دون التخلي عن اي من مكونات الفكر و المبادئ الليبرالية.

نظرا لعدم وجود مثل هذه الفئة الليبرالية (اللتي كان اسمها “الطبقة” البورجوازية في اوروبا)، إتطر محمد علي الى خلقها مثلما حاول ملوك و أمراء و قادة الدويلات الالمانية و في فرنسا. فكانت الدولة هي الراعي الرسمي لليبرالي مصر، فلم يقدموا التوتر المطلوب مع الدولة الساعي لتوسيع رقعة الحريات السياسية و الاقتصادية في مصر، و كذلك لم يجدوا الدافع لمخاطبة الشعب المصري و هو الدور الذي تركوه بالكامل للدولة. استمر الليبراليين المصريين على هذا النهج على مر العصور الى عصر حكم مبارك.

اما الان، فليبرالي مصر في وضع المعارضة و الأقلية. من الممكن الان ان يقوموا بدورهم، كامثالهم في بريطانيا القرون من الرابع عشر حتى التاسع عشر، لخلق التوتر اللازم لتحقيق تقدم فعلي و جذري. لكن لن يتم ذلك الا عن طريق مخاطبة الشعب و احترامه و تعريفهم له بمبادئ و اصول الليبرالية من دون دونية او تعالي. لكن هذا يتطلب كذلك فهم الليبراليين لأصول الليبرالية و دراستهم بعمق لأعلام الفلسفة الليبرالية، و تطور الليبرالية التاريخي.

لقد قام ليبرالي مصر على مر العقود بدراسة بعض اعمال الليبراليين الغربيين، لكن اقتصرت هذه القراءات على مفكريين المدرستين الالمانية و الفرنسية من امثال جون جاك روسو و فولتير و كانت، مع تجاهل تام للمفكريين البريطانيين و الامريكيين من امثال جون لوك و ثوماس هوبز و ادم سميث و دافيد هيوم و ثوماس چيفرسون.

السوؤال الذي سأتحراه في موضوع المقالة القادمة هو لماذا اقتدى ليبرالي مصر بليبرالي دول مثل المانيا و فرنسا و ليس انجلترا او امريكا. فلهذا شرح يا تطرق اليه في موضوع الجزء الثالث من سلسلة هذه المقالات.

Trackback from your site.

Leave a comment