الليبرالية المصرية: ظواهر و أسباب فشلها و العلاج (١: ظواهرها و سبب من أسبابها)

Written by Islam Hussein. Posted in + اقتصاد, + دين, + فلسفة, + مجتمع, + نظام سياسي, ليبرالية +

من اكبر المشاكل المواجهة للكتلة الليبرالية في مصر ليست في التحديات اللتي تواجهها من قبل منافسيها السياسيين و حسب، بل في عدم فهم هذه الكتلة لكيفية عملية التنوير الليبرالي الجذري. تنظر هذه الكتلة الى التنوير الاوروبي كمثل اعلى، و ترى فيه ان التنوير بدأ من أعلى الى اسفل، أي بدئاً بحاكم مستنير يرعى العديد من الفلاسفة و المفكرين و العلماء و الفنانين. و منهم و عن طريقهم تمتد العملية التنويرية لباقي المجتمع.

محمد علي، حاكم مصر في أوائل القرن التاسع عشر

محمد علي، حاكم مصر في أوائل القرن التاسع عشر

و لذلك ينظر بعض هؤلاء الليبراليين الى محمد علي على انه الاب الروحي للمجتمع المصري الليبرالي الاصلي. و آخرون يرون الحكم الملكي في النصف الاول من القرن العشرين على انه تجسيد للفكرة الليبرالية في مصر، بالرغم من موازاته للاحتلال البريطاني لمصر. و أخرون يرون في نظام مبارك تعبيراً عن الفكرة الليبرالية لما أتاحه من مساحة، و ان كانت محدودة، للحرية الاجتماعية و الثقافية و محاولات التحرير الاقتصادي، بالرغم من القمع و الفساد السياسي. و آخرون من رفضوا النظام المباركي و تطلعوا لحاكم جديد، طالما غير عسكري، من يقوم بإعادة أمجاد الماضي ما قبل ١٩٥٢، وآخرون من تطلعوا لناصر جديد يعيد أمجاد القومية المصرية و العربية حتى وان كان الناصريون أبعد ما يكون عن الفكرة الليبرالية للمساواة والعدالة و المبادئ الاساسية الاخرى لليبرالية.

هناك قاسم مشترك بين كل هؤلاء الفئات “الليبرالية”. ما لا يعيه هؤلاء جميعا هو ان الحركة الليبرالية التنويرية الاوروبية أخذت لنفسها سبيل الى الواقع ليس عن طريق ملوك مستنيرين نفذوا البرنامج الليبرالي من اعلى الى اسفل كما حاول تطبقيها محمد على في مصر في اوائل القرن التاسع عشر و من تبعه من ملوك و رؤساء، لكنها كانت حركة قادها مفكرون من كل الأطياف الفكرية، من كانت و هيوم الليبراليين الى بوركة المحافظ الى ماركس الشعبوي الى روسو الاب الروحي لليسارية، فقد كانوا كلهم يكتبون بقدر ما استطاعوا بطريقة يستطيع الانسان البسيط فهم افكارهم. كتبوا افكارهم بحثا عن تركيبة مبنية على الانسان العادي الذي هو الركيزة الاساسية في المجتمع، تركيبة تخلق مجتمع حر و متقدم (هذا بالطبع ليس معناه انهم جميعا كان لديهم التركيبة و الحلول السليمة، ماركس و روسو في رأيي كليبرالي فشلوا فشل ذريع، بل ارى ان افكارهم هدامة و معادية للحرية و تقف حائل ضد اي تقدم مجتمعي صحي).

ما نتج عن هذا هو تغيير اجتماعي و اقتصادي و فكري جذري. مع انهم وجدوا مساعدة من بعض الملوك المستنيريين، الا ان هؤلاء الملوك لم يساعدوا القضية بصورة جذرية، لكن وجودهم ساهم الى حد ما (مثال: فريدريش الأعظم حاكم بيروسيا، الدولة الأقوى قبل تكوين الدولة الالمانية الحديثة، كان سمح جداً تجاه المفكرين حتى انه أعطى فولتير و روسو الحماية في بيروسيا على غرار اضطهاد ملك فرنسا لهم).

الليبراليين المصريين فشلوا على مر العقود مخاطبة المواطن البسيط بإحترام. فشلوا في توضيح مبادئ الفكر الليبرالي بشكل بسيط و كيف ان هذه المبادئ تفتح الباب لفرص تحسين وضع وحال الفرد الاقتصادي و الفكري و حتى العقائدي. فبدلا من ذلك، ذهب ليبرالي مصر الى الحاكم ظناً منهم ان التنوير يبدأ من اعلى الى اسفل، و ليس العكس. خلطوا بين الأسباب و النتيجة. في عصر التنوير الغربي سبب النهضة العلمية و الفلسفية و الاقتصادية هو فتح المجال للمواطن العادي للبحث عن حياة افضل له، فكانت النتيجة تقدم عام في المجتمع ككل.

اما في مصر كما كان يحدث منذ زمن محمد علي، ظن الليبراليين ان استعارة التقدم من الخارج و تطبيق مظاهره على نفسهم كنخبة المجتمع سيجعل الانسان العادي يسعى للتقدم بنفسه ليكون مثلهم. لكنهم لم يفهموا ان كما انهم انفسهم نقلوا عن الغرب ظواهر التقدم و ليس أسبابه الجذرية، على احسن الفروض سيسعى المواطن العادي هو الاخر نقل ظواهر التقدم منهم و ليس أسبابه الجذرية.

من اهم أمثلة هذا الفشل هو نقل ظاهرة المعاداة للدين في المجتمعات الغربية. فبذلك لم يفهموا القط طبيعة الشعب المصري المحافظ دينيا و كذلك لم يفهموا أبدا ان الليبرالية لا تعادي الدين بالمرة (لوك و هيوم و كانت و بوركة و حتى روسو كانوا اما مؤمنين او كانوا يرون ان العقل لا يمكن أبدا ان يثبت عدم وجود اله خلق العالم الذي نعيش فيه)، بل من اجل ان يتحقق المجتمع الحر المتقدم اللذي يحترم حريات الفرد، يجب ان يحترم كذلك حرية العقيدة و الدين، و فهم دور الدين و أهميته في المجتمع.

ان أراد ليبرالي مصر ان يكون لليبرالية مستقبل في مصر، يجب اولا ان يفهموا ان سر نجاح الليبرالية هو ان نشرها يبدا من اسفل. نشرها يتطلب بالطبع فهم مبادئها و اختلافها الجذري عن فلسفات اخرى مثل اليسارية و الاشتراكية. و يتطلب نجاح الليبرالية كذلك توضيح هذه الفروق و الانفصال السياسي عن اليساريين و الاشتراكيين و تقديم البديل الليبرالي بوضوح.

و أخيرا، اهم الخطوات اللتي يجب ان يتخذونها هو احترام عقلية المواطن البسيط. الليبرالية تتحدث اولا و أخيرا للعقل لبداهة و بساطة مبادئها. و الأهم من ذلك هو ودئ فكرة ان الليبرالية معادية للدين. فيجب ان يكون هناك احترام صادق لمشاعر و أفكار المواطن العقئدية.

هذا كله يتطلب نظرة عميقة للنفس و سؤالها كي نتوكد من وجود الفكرة الليبرالية في ذاتنا اولا قبل ان نطلبها من الاخرين.

في هذه المقالة أوضحت الخلل العقلي لدى ليبرالي مصر على مر القرنين الماضيين و تحدثت عن سبب من اسباب هذا الخلل. في الجزء الثاني من هذه المقالة، سأشرح جذور هذا الخلل و أسبابه الاخرى في ظل احداث تاريخية وجدت تلك النخبة الليبرالية نفسها عبدة لها.

Trackback from your site.

Comments (2)

  • ليبرالية » الليبرالية المصرية: ظواهر و أسباب فشلها و العلاج (٢ المضمون التاريخي)

    |

    [...] كتبت في مقالة الاسبوع الماضي عن خلل اساسي في منهج الليبراليين المصريين لنشر الليبرالية. هذا الخلل بدئ مع قدوم المشروع الليبرالي الذي بدأه أول من بدأ محمد علي في اوائل القرن التاسع عشر. الخلل يكمن في عدم قدرة، و في بعض الاحيان عدم إرادة، النخبة الليبرالية على التواصل مع بقية الشعب المصري ظنا منهم ان هذا التواصل و العملية التقدمية تقع كاملة في مضمار دور الدولة. محمد علي، حاكم مصر في أوائل القرن التاسع عشر [...]

    Reply

  • yousra

    |

    شرح عميق بكلمات بسيطة…مقال جميل…!!!

    Reply

Leave a comment