إسكات المعارضة

Written by SaraLabib. Posted in + مجتمع, + نظام سياسي

كتابة سارة لبيب

كتبت فى العام الماضى عن عدم وجود “شعب مصرى” واحد موحد يمكن ان نوصفه و نتكلم عنه كأنه شخص واحد. ما جعلنى اكتب هذا المقال آنذاك كان الحديث عن “الشعب واعى و بيفهم كل حاجة”، “الشعب غبى و ميتحكمش إلا بالحديد”، “الشعب متدين و لا يقبل بحكم غير إسلامى” الخ. كله تعميم و محاولات لإحتكار الحديث بإسم الشعب. فكأى شعب فى العالم هناك الغبى و الصايع و البلطجى و الواعى و المتدين و المنافق و المتدين الليبرالى و من يتاجر بالدين الخ. لا اريد ان اكرر ما كتبته من قبل لكن بعد مرور اكثر من عام على  رحيل الرئيس السابق اريد ان اكتب عن ظاهرة خطيرة تهدد الساحة العامة و حرية الحديث بها و هى إتهامات ب “التعالى” على الشعب و لها مسميات  اخرى كثيرة مثل كلمة “نخبة” او “دخيل”مثلاً

عندما فاز “الإسلاميون” (حزب الحرية و العدالة و حزب النور السلفى بالأخص) فى الإنتخابات البرلمانية بأغلبية الأصوات اصبح كل من هو غير إسلامى و معارض لبرنامج و فكر و اداء الإسلاميين فى نظر الكثيرين “ضد الشعب” و “مدعى ان الشعب لا يفهم و جاهل لذلك اختار غلط” و بالتالى ايضاً “متعالى على الشعب الذى قال كلمته” و كأن الديمقراطية هى ان الشعب يقول كلمته مرة واحدة ولا يغيرها ابداً او ان الشعب هو الأغلبية فقط. هناك من يعارض الإسلاميين لأنه لا يثق بهم او بقدرتهم على التغيير الذى يريده او لأنه يختلف معهم ايدولوجياً بغض النظر عن ثقته بهم او احترامه لهم. هناك من يعتبر نفسه إسلامياً و مع ذلك لا ينتمى لأى من الاحزاب الإسلامية الموجودة على الساحة لأنه لا يراهم ممثلين لرؤيته الخاصة للإسلام السياسى مثلاً. كل هؤلاء أناس لم يختاروا الإسلاميين و يعارضونهم ليس لأنهم يرون ان اغلبية الشعب “غبى” لكن لأسباب اخرى عديدة.

هناك من قال ان الإسلاميين فازوا فقط لأنهم اشتروا الأصوات او لأن كل من انتخبهم مخدوع او جاهل، هذا الطرح مرفوض بالطبع فهناك من انتخبهم لأنه ببساطة متفق معهم ايديولوجياً، او لأنه واثق من نواياهم و قدراتهم او لأنه لا يرى بديلاً افضل على الساحة السياسية.

الواقع المر الذى نعيشه الآن فى مصر على الساحة العامة هو انه بجانب الإستقطاب الحاد الموجود منذ رحيل مبارك بين الإسلاميين و الغير الإسلاميين، هناك اليوم ايضاً محاولات لإسكات الأقلية السياسية بإتهامها ب “النخبة المتعالية الدخيلة على الشعب”. لكن ما هى الديمقراطية بكل بساطة؟ اليست ان يطرح الكل برنامجه على الشعب و يتنافس على الساحة السياسية مستخدماً حرية التعبير المضمونة له دستورياً ليقنع الشعب انه الأفضل لقيادة البلد؟ اليست الديمقراطية ايضاً ان تتاح الفرصة للأقلية السياسية ان تعارض الأغلبية و تنتقد ادائها و تعرض بديلاً على الشعب حتى تتمكن من ان تصبح هى الأغلبية السياسية فى الإنتخابات التالية؟ ليست ديمقراطية ان كان من المستحيل ان تتغير الأغلبيات و الأقليات.

ما معنى تعبير”الشعب قال كلمته”؟ لقد وضح 70% و ليس 100% من الشعب انه يريد الإسلاميين و اختار احزاب تسمى ب”الإسلامية”. فى نطاق الديمقراطية، على الأقلية ان تحترم نتيجة الإتخابات طالما جاءت بطريقة نزيهة و عادلة بمعنى قبول ان الفصيل الفلانى هو ممثل الأغلبية حتى الإنتخابات التالية. لكن ليس على الأقلية ان تتغير فجأةً لتصبح جزءاً من الإغلبية فلها كل الحق فى انتقاد هذا الإختيار بالطبع و الإصرار على رأيها حتى ان كان هذا الرأى مخالف لما يقوله 99% من الشعب، دون ان تُتهم بالتعالى لهذا السبب.

الأغلبية السياسية متغيرة و هذا ضمان بقاء الديمقراطية الحقيقية بتعدد الأحزاب و التيارات و على من اختار فصيلأً ما فى البرلمان ان يراقب اداء هذا الفصيل و يقيّمه و يسمع للأراء الأخرى المطروحة حتى يكوّن رأى سليم و متكامل. علينا ايضاً ان ننتبه لتدنى مستوى الحوار بيننا فى شتى المجالات للأسف و ليس فقط فى السياسة، الإختلاف لا يجب ان يفسد الود و اختلافى معك لا يعنى ابداً انى اعتقد انك جاهل او انى احتقرك ولا احترمك. الإختلاف سنة الحياة و وجود اراء كثيرة على الساحة سيضمن التنافس و التقدم و علينا جميعاً – اغلبية او اقلية – ان نحمى ديمقراطيتنا و حريتنا الوليدة حتى لا يخنقها التخوين و تقتلها المزايدة فنعود الى زمن سفك ابناؤنا و اخواتنا دمائهم حتى نتركه خلفنا.

Tags: , , , , , , , , , , , , , , ,

Trackback from your site.

Leave a comment